-
-
-
-
-
-
-

 

 

 

 

 

بلوك 1

 

بلوك 2

 

بلوك 3

 

بلوك 4

 

بلوك 5

 

غسيل العالم

 

 

د.احمد مصطفى

”رغم كل ما سبق، فالغسيل أمر جيد عموما لأنه ازالة للوسخ ورغبة في “النظافة”، وربما تكون تلك الرغبة الأخيرة هي الدليل على أن الجوهر السليم للبشر لم ينته تماما. إنما المقلق هي المبالغة في الغسيل إلى حد الاهتراء، إذ مع الغسيل الشديد تضيع المعالم ويصبح كل شيء مميعا، وهذا للأسف ما نلحظه في كثير من مناحي حياتنا التي أصبحت أقرب للتسطيح والاستسهال.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ربما كان الأكثر شيوعا هو “غسيل الأموال” بمعنى تحويل الأموال المتحصلة من مصادر غير شرعية، كالاختلاس والنصب والرشوة والسرقة وعائدات التجارة في الممنوعات والمحرمات، إلى أموال قانونية عبر عمليات مصرفية معقدة. وخلال عملية الغسيل يفقد الغاسلون قدرا من المال (عن عمد وقصد، ففي النهاية لم يتعبوا في تحصيله) حتى يحولوه إلى ثروة قانونية في حسابات بنكية. لكن تلك الآلية الشيطانية لم تقتصر على الأموال، بعد تعدت غسيل الثروات غير النظيفة لتطبق في مجالات عدة بهدف غسيل ما هو قذر كي يبدو ناصعا سليما فيخدع به أصحابه العامة من الناس. وسبق وأشرنا هنا في هذه الزاوية إلى غسيل الأخبار، بمعنى طريقة فبركتها ودس التضليل المعلوماتي ثم إعادة تدويره حتى يصل من مواقع التواصل ومصادر الإشاعات الأخرى إلى الإعلام التقليدي. ومرة أخرى عرضنا في هذه المساحة لموضوع غسيل الأفكار، وضربنا مثلا بتنظيم الإخوان وبعض أصواته التي تجد منفذا في الإعلام التقليدي العالمي وفندنا عملية غسيل أفكار الجماعة ومحاولة جعلها مكونا شرعيا في الفضاء العام.
وبما أن العالم يتجه بسرعة نحو توجه جديد يبتعد إلى حد ما عن القيم الانسانية الأصيلة انتشرت آلية الغسيل لتشمل الكثير من مناحي حياة البشر، حتى أصبح العالم كله وكأنه في عملية غسيل دائمة تكاد تصعب على البشر تمييز الغث من السمين والحقيقي من المفتعل والأصيل من المفبرك … هذا مع العلم أن ما يحدث مع الأموال والأخبار والأفكار مثل ما يحدث تقريبا مع الأصل في الغسيل: غسيل الملابس. فتكرار الاتساخ والغسيل يقصر من عمر القماش ويبلى اللباس حتى يفقد وظيفته الأساسية ويلقى به كنفايات. وربما يكون التماثل الأوضح هنا هو “غسيل السمعة”، وهي مهنة أقدم من غسيل الأخبار والأفكار وربما توازي غسيل الأموال في التجذر. وكان لعمليات غسيل السمعة، للأفراد والمؤسسات والشركات وحتى الدول والكيانات، الفضل في تطوير صناعة ضخمة بالمليارات في العالم هي مهنة “العلاقات العامة”، ومعها جماعات الضغط والتسويق والترويج والدعاية والإعلان … وأصبح هذا القطاع مكونا أساسيا من مكونات الاقتصادات في أغلب دول العالم، خاصة مع التحول من الزراعة والصناعة إلى الخدمات.
ويوظف هذا القطاع الخدمي مبتكرات التكنولوجيا الحديثة للابداع في عمليات غسيل السمعة على نطاقات لم تكن متاحة ولا حتى متصورة من قبل. ويكبر القطاع ويتضخم إلى الحد الذي يصبح معه من شبه المستحيل الحد منه أو تنظيمه بشكل صارم، إذ إنه متداخل مع الحكومات والسلطات المسؤولة عن اللوائح والقوانين المنظمة لعمله. ويكاد يكون القطاع أقرب لأسواق المال، التي تضغط دوما لتخفيف القواعد والقوانين، متذرعة بالشعار المشكوك فيه أنها “تنظم نفسها بنفسها”. ونظرة سريعة على الاقتصادات المتقدمة والصاعدة في العالم تبين لنا أن هذا القطاع هو الأكثر توظيفا، بعدما كانت الزراعة والصناعة تحتل تلك المكانة قبل تطور قطاع الخدمات، والأقوى تأثيرا في معدلات النمو الاقتصادي. وبالتالي، يتجه التعليم ـ المستند إلى تلبية احتياجات سوق العمل ـ نحو هذه المهارات الخدمية أكثر من المهارات العلمية التقليدية. ببساطة، لنسأل عددا من الطلاب الذين أنهوا المرحلة المدرسية العليا عما يرغبون في دراسته بالجامعة ونرى كم نسبة من سيدرسون الطب أو الهندسة ومن سيدرسون التسويق والاتصال وإدارة الأعمال وغيرها.
ليس القصد هنا طبعا التقليل من أهمية تلك المهنة، ولا من قطاع الخدمات في الاقتصادات عموما، ولا حتى الرغبة بالعودة بالزمن إلى الوراء لتتغلب الزراعة والصناعة والتجارة. ولكنها محاولة للتنبيه إلى أن الاندفاع نحو هذا التوجه قد ينتهي بالكثيرين إلى ألا “يجدوا ما يغسلوه”. ذلك دون إغفال الدلالة المهمة لهذا التوجه وهي أن العالم بحاجة لكثير من الغسيل، ليس للأموال والأخبار والأفكار وسمعة الافراد والجماعات فحسب وإنما أغلب ما فيه. خذ على سبيل المثال النتائج الكارثية للتغيرات المناخية نتيجة أفعال البشر بكوكب الأرض الذي يعيشون عليه ومحاولة البعض من المستفيدين من تلك الممارسات انكار أن هناك مخاطر مناخية. ولاحظ كيف يوظف هؤلاء المستفيدون كل قدرات “الغسيل” لجعل الناس تتغاضى عن تلك الظواهر ولا تربطها بمسببات التغير المناخي: سواء بأنها قدر من عند الله، أو تصرفات للطبيعة تحفظ التوازن، أو .. أو .. الخ.
رغم كل ما سبق، فالغسيل أمر جيد عموما لأنه ازالة للوسخ ورغبة في “النظافة”، وربما تكون تلك الرغبة الأخيرة هي الدليل على أن الجوهر السليم للبشر لم ينته تماما. إنما المقلق هي المبالغة في الغسيل إلى حد الاهتراء، إذ مع الغسيل الشديد تضيع المعالم ويصبح كل شئ مميعا، وهذا للأسف ما نلحظه في كثير من مناحي حياتنا التي أصبحت أقرب للتسطيح والاستسهال. كما أنه ستبقى هناك أشياء يصعب غسيلها، وحتى محاولات غسلها ـ مهما كانت المهارة وحداثة الأدوات والمواد ـ لن تخفي حقيقتها على العقلاء من البشر. لا غرو في أن يتجه كثيرون للعمل في الغسيل، فلعلهم ينظفون كثيرا مما تراكم حتى لو ضللونا مرحليا فالأمر يعود لنا بعد ذلك لنستعيد عالمنا المتوازن الذي نطمح إليه.

 

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق جان يامان يكشف عن وشمه الجديد ووسامته تخطف الأنظار.. شاهد
التالى بيتي - فوائد الخس لتنشيط الكبد و علاج القولون العصبي