أخبار عاجلة
بعد الرباعية .. برشلونة يواصل تدريباته اليوم -

مشهد من هنا مرّ الموت

مشهد من هنا مرّ الموت
مشهد من هنا مرّ الموت

من هنا مرَّ فارس عوّاد، من هنا مر الموت أيضاً! لا يتجاوز حجم الباب الزجاجي ثلاثة أرباع المتر. على وقْع الأقدام وتداخل الأصوات والضجيج المخيف مر ذو الثلاثة وستين سنة، ومن ذات المكان تبعه إلى الغرفة، في آخر الزاوية، الموت بخطى هادئة لدرجة عدم الشعور بمروره، رغم أن المسافة الفاصلة لا تتجاوز المتر الواحد! لم نشعر بما يوحي بقدومه المهيب. كل شيء رتيب وهادئ. باب مركز صحي مفتوح، تدخل معه روائح الصرف الصحي من خلال الناقلة في الرصيف المقابل، هواء بارد، نعاسٌ يحيل بياض العين إلى إحمرار، وانتظارٌ ممل.

هل ملك الموت متجسد في سكتة قلبية أم في جلطة دماغية أم في سرطان يستمتع بالإفناء على مهل! أتراه وصفاً لشيءٍ ما! أيكون السياق «ملكهُ الموت»! أيكون الموت وصفاً لهمود الجسد وانعتاق الروح منه!

تبِع الطبيب الوحيد بالمركز موكب فارس ولا أدري من سبق من إليه! تم طلب الإسعاف (الهلال الأحمر) وأتوا بعد أكثر من نصف ساعة، بعد حملة مكثفة من الاتصالات! بهدوء من اعتاد على نقل الجثث وليس على إسعاف المرضى، يرفضون إنزال النقالة أو أي شيء آخر، ويصرون على رؤية المريض ومعرفة وضع الحالة الصحي! عاد أحدهم ليأخذ جهازاً أبيض صغيراً مربع الشكل وشنطة برتقالية تقريباً، بعد قليل من الوقت يخرج الطبيب يسير خارج الغرفة عائداً إلى مكتبه متأثراً، ببلادة أقرب منها للهدوء، يسبقه، بكتف، المسعف وهو يقول لابن أبو عواد بنبرة عالية مستفزة: «أنت تؤمن بالله»!؟ شعرت به ينتظر الـ «لا» ويطلبها طلباً! حتى الحزن يخون أحياناً يا أبو فارس! تلعثم وارتبك ... «يعني مات»!؟ لتبدأ أصوات المتطفلين من المراجعين بأصوات متداخلة أشك في صدق أيٍ منها ولا أراها أكثر من عادة متجذِرة في اللاوعي.. «أحسن الله عزاكم، كلنا لها، كلنا ماشين في نفس الطريق، اصبر يا رجال، الموت حق،…». لو تركوه يبكي أو يصمت أو يسترجع قواه خيراً من هذا الضجيج المولِّد لمزيد من التوتر والقلق والتوهان! أما أحد المرافقين فقد أخذ يغسل وجهه بالماء مرات عديدة ويئن كأنين الجمل، بملامح جامدة ولا تشي بأي شيء إطلاقاً، غير آبهٍ بأحد، الحق أن أحداً لم يجرؤ على تعزيته وهو بلا ملامح أو ردة فعل تُحفِّز ذاكرة اللاوعي بإفراز ما يقابلها من جمل وردود مُعلّبة! شعرت أن الحزن كله هناك، حيث تغيب الملامح نهائياً! ما معنى أن تدمع العين أو يعلو النحيب، إن غاية الحزن أن تزول كل الشواهد وتختفي المعالم ويبرز الظل، حيث هو الحقيقة الناطقة في زحمة الوجوه الخرساء!.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق "أسطورة الأدب الرفيع" للمؤلف د. علي الوردي
التالى افتتاح «ملتقى ومعرض مصوري الشمال 2»