أخبار عاجلة
القيمة التي طالب بها روما ليفربول من أجل اليسون -
دعوة خاصة من رئيس الآوروجواي لجريزمان -
مينديز في ميونخ لإعادة خاميس لريال مدريد -
دي ماريا ومُشاركة محتملة لرونالدو في اليوفينتوس -
البيلد : تياجو يرغب في العودة لبرشلونة -
فاران : لم نكن بهذ السوء -
ليس زيدان فقط ..نجله أيضا مطلوب فى يوفنتوس -

الحائز على جائزة الشيخ زايد للكتاب 2018

الحائز على جائزة الشيخ زايد للكتاب 2018
الحائز على جائزة الشيخ زايد للكتاب 2018

الناقد والباحث المغربي محمد مشبال : النقد العربي يعاني تخمة التفكير في المنهج على حساب النص المنقود

هناك بلاغة جيدة وبلاغة سيئة، ولا يجوز إدانة البلاغة بشكل مطلق

ظهور مصطلح ” النقد الثقافي” هو استجابة للتحولات التي يشهدها القارئ العربي

الناقد الأدبي فاعل ثقافي مهم في المجتمعات الدينامية؛ وإني أزعم أن الناقد – بهذا المعنى- يكاد ينعدم في دوائر ثقافتنا الأدبية

أجرى الحوار ـ وحيد تاجا :
يعد الدكتور محمد مشبال من بين الأسماء الهامة المنشغلة بالسؤال الثقافي والأكاديمي بالمغرب، ويترأس فرقة البلاغة وتحليل الخطاب في كلية الآداب جامعة عبد المالك السعدي بتطوان ، وقد استطاع عبر تجربته في هذا المجال إنجاز مجموعة من الكتب المهمة: “مقولات بلاغية في تحليل الشعر” ، “الصورة في الرواية” (ترجمة بالاشتراك،)، “بلاغة النادرة” ، “أسرار النقد الأدبي” ، “”صورة الآخر في الخيال الأدبي” ( ترجمة) ،”البلاغة والسرد: جدل الحجاج والتصوير في أخبار الجاحظ” ، “البلاغة والأدب: من صور اللغة إلى صور الخطاب” ، “الهوى المصري في خيال المغاربة”، “خطاب الأخلاق والهوية في رسائل الجاحظ: مقاربة بلاغية حجاجية”. الذى وصل القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد (2017 )، حاز كتابه “في بلاغة الحجاج” على جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2018 .
يرى “مشبال” إن للناقد دورا حضاريا؛ فهو يسهم في تطوير الإبداع الأدبي عندما يرشد المبدع إلى بعض التفاصيل الجمالية التي لم يتنبه إليها، على نحو ما يساعد القارئ في تذوق العمل الأدبي وفهمه. ويضيف إن المبدع الذي لا يقرأ النقد لا يستطيع أن يطور عمله، كما أن القارئ الذي يكتفي بالعمل الأدبي دون النقد سيظل قارئا عاديا لا يستطيع أن يتحول إلى قارئ مثقف يجعل من قراءاته ميدانا للتداول الثقافي.

*يدور مشروعك النقدي حول (إعادة صياغة الخطاب البلاغي). هل يمكن الحديث عنه. وبالتالي الى أي مدى يمكن أن تحل المقاربة البلاغية محل المناهج النقدية الحديثة التي تبلورت في سياق العلوم الإنسانية بشتى مشاربها وسياقاتها المعرفية…؟
** منذ القدم كانت البلاغة نظرية في الخطابين الإقناعي والأدبي، ولكننا مع ذلك لا نستطيع القول إنها قدمت نفسها مقاربة أو منهجا لتحليل الخطابات، فالقول بالمقاربة البلاغية للخطاب الأدبي لا يعدو أن يكون اجتهادا يعتمد في الأساس نسق الصور الأسلوبية التي صاغتها النظرية البلاغية، ولكن تحليل هذه الصور أو تأويلها داخل خطاب ما، لا يستقيم دون الاستفادة من مبادئ ومفاهيم مستقاة من نظريات ومناهج وحقول أخرى مجاورة. هذه المقاربة البلاغية للأعمال الأدبية ليست شيئا موجودا بالفعل يمكنها أن تحل محلّ المناهج النقدية الحديثة. هناك عدة صعوبات تواجهها البلاغة في تحولها إلى مقاربة نصية للخطابات الأدبية؛ من هذه الصعوبات: أولا؛ حصر موضوعها في النظر إلى الوجوه الأسلوبية المقننة مما يجعلها عاجزة عن التعامل مع نصوص أدبية تعتمد تقنيات تتجاوز البنية الأسلوبية بمفهومها اللساني. ثانيا؛ اعتمادها التصنيف بدل التأويل يجعلها مجموعة من التقنيات المجردة عن الخطابات الحية. ثالثا؛ اعتمادها الصورة الأسلوبية وحدة للتحليل بدل النص في كليته.
إن القول بالمقاربة البلاغية الأدبية (تمييزا لها عن المقاربة البلاغية الحجاجية) للأعمال التخييلية، هو طموح أسعى إليه-كما يسعى إليه غيري- ويحتاج الأمر إلى جهود متواصلة لترسيخ هذه المقاربة، لا لكي تكون بديلة عن المقاربات النقدية الأخرى؛ فأنا لا أتصور أن المناهج تتصارع وتتنافى بقدر ما تتآزر وتتكامل لفهم الظاهرة الأدبية.
هذا جزء من مشروعي البلاغي، وأما الجزء الآخر فهو تطوير وترسيخ مقاربة بلاغية حجاجية لأنواع الخطاب الإقناعي الذي بلورتها في كتابي الأخير”في بلاغة الحجاج”؛ إذ سعيت في هذا الكتاب إلى إعادة صياغة البلاغة الأرسطية من منظورات جديدة سواء أكانت هذه المنظورات بلاغية أم لسانية؛ فعلى الرغم من أن البلاغة الأرسطية قدمت تصورا نسقيا لمفهوم الخطاب الإقناعي، يمكن اعتماده في تحليل هذا النمط من الخطابات، إلا أن أرسطو لم يكن مهموما بتحليل الخطابات. وقد اقتضى الأمر الاستفادة من منجزات علوم اللغة وتحليل الخطاب لبناء مقاربة بلاغية حجاجية للنصوص، وهي مقاربة ملائمة لعديد من أنواع الخطاب الأدبي القديم، وأنواع من الخطاب التداولي التي تحتشد بها حياتنا المعاصرة.

* ـ قلت في حوار: ” إن الناقد الأدبي لم يعد منخرطا في العالم؛ يدافع عن قضية أو ينقد أفكارا أو يضيء تجربة إنسانية أو تاريخية.” كيف نرى ترجمة هذا الرأي على الصعيد العملي من خلال كتاباتك …؟
**لعل سياق هذا القول الذي لا أتذكره الآن، هو نقد تجربة الناقد الأدبي الشكلاني المهموم بقضايا بناء العمل الأدبي في انفصال عن الواقع والتاريخ. لا أحد ينكر أن النقد الأدبي العربي انشغل في العقود الأخيرة بقضايا الشكل الفني للأعمال الأدبية، بعد فترة طويلة سادت فيها مناهج نقدية انطباعية وتاريخية واجتماعية ونفسية، بيد أنّ سيادة النموذج البنيوي بعد ذلك، كانت له نتائج سلبية إلى جانب نتائجه الإيجابية الكثيرة؛ من هذه النتائج السلبية تحويل القراءة النقدية إلى دراسة تقنية قد تفيد في المجال العلمي الأكاديمي، ولكنها لا تفيد في مجال التواصل الأدبي وفي ترسيخ المعرفة النقدية العامة لدى القراء. ولعلك تلاحظ هجوم عديد من الأدباء والنقاد الصحفيين وعموم القراء أيضا على النقاد الأكاديميين، وهو هجوم مسوَّغ في كثير من الأحيان. فحاجات القارئ العام للأدب تختلف عن حاجات هؤلاء الأكاديميين المنغلقين على إشكالاتهم. من هنا ضرورة أن ينفتح هؤلاء على القضايا التي تهم هذا القارئ وتشغله. ولعل ظهور ما يصطلح عليه اليوم بالنقد الثقافي أن يكون استجابة للتحولات التي شهدها القارئ العربي الذي لم يعد مفتونا بالقراءات الجمالية الخالصة.
هذا النقد المفتون بالصنعات الجمالية –على أهميته-ينبغي ألا ينسينا دوره في الانحياز للإنسان في تجربته ضد كل أشكال السلطة والعنف والإقصاء. وأنا آمل أن تكون قراءاتي للأعمال الأدبية التي أقوم بها بين الفينة والأخرى، جزءا من هذا النقد الذي لا يفصل بين الهموم الجمالية وبين الوعي بأهمية الأدب في تمثيل تجربة الإنسان في هذا العالم.

* ـ بالمقابل يرى د. عماد عبد اللطيف ان غياب الوعي النقدي لدى الناس يؤدي إلى سطوة البلاغة والخطاب في توجيه الوعي العام أو تزييفه والتلاعب بالعقول، أي سطوة البلاغة بجانبها السلبي، بمعنى تتجاوز دراسة البلاغة هنا ما هو لغوي إلى العناية بالثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي. ماقولك…؟
** علينا أن نميز بين البلاغة باعتبارها لغة واصفة أو نظرية من نظريات الخطاب الإقناعي (السياسي والاجتماعي والديني,,) والبلاغة باعتبارها إنشاء ولغة موصوفة أو خطابا من أنماط الخطابات السياسية والاجتماعية والدينية والأدبية وغيرها. وقولك ينصرف إلى البلاغة بمفهومها الثاني؛ أي باعتبارها كفاية خطابية يستثمرها المتكلم لتحقيق أغراضه في المجال العمومي؛ وهذه البلاغة يمكن أن تُسخّر بشكل إيجابي، كما يمكن أن تُسخّر بشكل سلبي؛ أي إنها يمكنها أن تكون أداة لبناء القيم الإنسانية الإيجابية الضرورية لبناء المجتمعات المدنية الحقيقية، ويمكن أن تكون أداة سلبية لهدم القيم الإنسانية وتقويض المجتمعات المدنية. وقد نظر أرسطو للبلاغة في الخطابة اليونانية التي ارتبطت بقيم العدل والفائدة والجمال، وأنشأ مفهومات خطابية إقناعية ساعدتنا اليوم في فهم كيفية اشتغال الخطاب الإقناعي وتدبّر آلياته، وتطورت هذه البلاغة اليوم لتصبح منهجا في تحليل الخطابات والتعامل مع النصوص الحيّة التي تجري في مواقف ملموسة، وزوّدت المتلقي بأدوات وتصورات للتعامل مع انحرافات الخطباء وانزلاقاتهم الحجاجية وتَلَعُّبهم بالسامعين. يجب الإشارة إلى أن هناك جهودا هائلة تبذل في الدراسات البلاغية المعاصرة لصقل أدوات تحليل الخطابات العملية والتداولية ونقدها نقدا يأخذ في الاعتبار جملة من الملابسات والظروف، وليس نقدا منطقيا معاديا للبلاغة أصلا. البلاغة (أو الخطاب الذي يتوسّل بالكفاية البلاغية) أداة ضرورية في بناء المعرفة (الفلسفة والعلوم الطبيعية والإنسانية وغيرها) والمجتمعات والإنسان، بقدر ما هي أداة للسيطرة والعنف والتلعّب بالعقول والعواطف. بكلمة واحدة: هناك بلاغة جيدة وبلاغة سيئة، ولا يجوز إدانة البلاغة بشكل مطلق.

* ـ أنجزت عديدا من الدراسات حول نثر الجاحظ وخصصت له كتبا قائمة الذات. ما سر هذا الولع والافتتان ببلاغة الجاحظ…؟
** الذي ساقني إلى الجاحظ هو شعوري –عندما كنت طالبا جامعيا- بأننا لا ندرس الأدب بقدر ما ندرس ما يُقال عن هذا الأدب قديمه وحديثه. إن أقسام اللغة العربية في كليات الآداب بالعالم العربي، لا تقدّم للطلاب نصوص الأدب العربي من خلال صنّاع هذا الأدب أمثال الجاحظ والتوحيدي والمتنبي ونجيب محفوظ ويوسف إدريس والسياب وأمل دنقل..إنها تقدم لهم ظواهر أدبية عامة لا تشجع الطالب في النهاية على الاحتكاك المباشر مع النصوص الأدبية التي يسهل عليه الاستغناء عنها مكتفيا بما قرأه من دراسات حولها. كان هذا ولا يزال عيبا في مقررات تدريس الأدب العربي في جامعاتنا، والعيب الآخر غياب اهتمام هذه المقررات بالنثر العربي، باستثناء تخصيص ساعة واحدة في الأسبوع لا وزن لها. هذا الإحساس بفقر المادة المعرفية التي يتلقاها الطالب الجامعي لم يفارقني؛ فكان أول ما قمت به عندما التحقت أستاذا بالجامعة، أنني ركزت في تدريسي على تحليل النصوص وترسيخ الاهتمام بالنثر العربي القديم. من هنا كانت بدايتي الأولى مع الجاحظ مترسلا أو ساردا. ثم تطورت هذه العلاقة من التدريس إلى الكتابة والتأليف في سياق الأسئلة التي شغلتني في تطوير أدوات بلاغية لتحليل نصوص هذا الناثر العظيم. وكان كلّ كاتب أنجزه عنه يقودني إلى كتاب آخر. يمكنك أن تقول إن انخراطي في الكتابة عن أدب الجاحظ كان ضربا من التحدّي للقبض على أسراره البلاغية التي نشعر بها دون أن نملك القبض عليها.

* ـ أشرت في كتابك “الهوى المصري في المخيلة المغربية الى “قضية” ثقافية وتاريخية هي الهوى المصري باعتبارها تشكل جزءا من كيان المغربي الثقافي ومخيلته ووجدانه. في حين يرى بعض النقاد ان الرواية المغربية تأثرت أكثر بالسرد الغربي. ما قولك. وهل ترى ان هذا التأثير مازال واضحا في الرواية المغربية الحديثة …؟
** نعم هي مفارقة؛ كان دائما ما يشغلني منذ فترة مبكرة، سؤالٌ لماذا لم تنخرط الرواية المغربية في نصوصها المبكرة في استلهام نماذج الرواية العربية المشرقية التي أثبتت نجاحها، وانخرطت عكس ذلك في تجارب أدبية غريبة عن ذائقة القارئ العربي. في تأويلي لرواية “المصري” لمحمد أنقار، خلصت إلى جواب لهذا السؤال؛ فهذا العمل الروائي الذي تقوم حبكته على تصوير إخفاق تجربة المغربي أحمد الساحلي في استلهام كتابات الروائي المصري نجيب محفوظ وتحقيق طموحه في إنجاز رواية مغربية يخلد بها مدينته تطوان على غرار تخليد الكاتب المصري لمدينة القاهرة، ليست في تقديري سوى نقد مضمر للرواية المغربية التي عجزت عن استلهام تجربة نجيب محفوظ الروائية الرائعة، واختارت بدلا من ذلك الانخراط في تجريب نمط من الكتابة غريب عن النماذج الروائية المشرقية والغربية أيضا.
وسواء أكان عجزا أم اختيارا، فمن الثابت الواضح أن الروائيين المغاربة الأوائل الذين شكلت الرواية المشرقية جزءا من ذخيرتهم الادبية، كما شكّل المشرق الثقافي المزدهر مصدر فتنتهم، لم يقدموا لنا نماذج روائية تحمل سمات هذه الفتنة. لاشك أن ثمة أسبابا عديدة تفسر هذا المنحى في الكتابة لدى هؤلاء (بعضها سياسي وبعضها ثقافي)، ولكن لا ينبغي أن ننسى أن هؤلاء الكتاب الأوائل لم يكونوا يتمتعون بموهبة سردية وروائية تخوّل لهم كتابة نماذج روائية تضاهي ما كانوا يقرؤونه من نصوص روائية مشرقية. ولعل الرواية المغربية لم تستطع أن تثبت ذاتها في هذه الفترة إلا مع ظهور بعض الروائيين الموهوبين أمثال محمد زفزاف الذي لا نستطيع وصف تجربته بأنها غريبة عن أساليب الرواية العربية. ولكن بعد التسعينات لم يعد هذا السؤال قائما؛ والتحمت الرواية المغربية مع غيرها من نماذج الرواية العربية في تجربة تقوم على التفاعل.

* ـ هناك ظاهرة ملفتة في المغرب وهي أن معظم الروائيين المغاربة جاؤوا إلى حقل الرواية من حقول إبداعية أخرى مثل الفلسفة والنقد والتاريخ، أمثال عبد الله العروي و بنسالم حميش (الفلسفة)، محمد عز الدين التازي وأحمد المديني (النقد). ما رأيك…؟
** هذا صحيح، وهي ظاهرة بارزة في المغرب، حيث أن أغلب من نهضوا بالكتابة الروائية في المغرب ينتمون إلى فئة تمارس البحث في مجالات ثقافية ومعرفية أخرى مثل النقد الأدبي (محمد برادة وعز الدين التازي وأحمد المديني وحميد لحمداني ومحمد أنقار وشعيب حليفي..) أو الفلسفة (عبد الله العروي وبنسالم حميش ..) أو التاريخ (أحمد التوفيق..)، وقلما حظيت الرواية المغربية في بداياتها الحديثة بكتّاب لم يُعرف عنهم سوى الانقطاع للكتابة الروائية أمثال محمد زفزاف ومحمد شكري. وإن كانت هذه الظاهرة بدأت تتراجع في المغرب، بحكم تطور المجتمع وانتشار التعليم. علينا الا ننسى أن المغرب حديث العهد بالاستقلال، وهو مجتمع محافظ ورث أطرا ثقافية تقليدية لم تكن تسمح بالإبداع الأدبي والفني؛ فكان لابد لمجموعة من المثقفين المتنورين أن ينخرطوا في تغيير الثقافة المغربية وتحديثها، ومن بين وسائل ذلك كتابة الرواية.
وبعيدا عن هذا التفسير، أقول جوابا عن سؤالك: إن الرواية تستفيد من المجالات المتنوعة التي يمارسها كتابها، سواء أكانت مجالات علمية نظرية (فلسفة ونقد أدبي وتاريخ وجغرافية وطب..) أم مجالات عملية (صحافة وسياسة وقانون..). المعيار هنا هو أن يضيف هؤلاء الكتاب تجربة جديدة إلى فن الرواية تطوره.

* أيضا من الملاحظ لجوء الكثير من الروائيين العرب إلى استخدام اللغة الشعرية في السرد .. ما رأيك بهذا الامر.. وكيف تنظر بالتالي الى تلاشي الحدود بين الأجناس الأدبية…؟
** في البداية كان اللجوء إلى لغة الشعر جزءا من التجريب في مجال الكتابة الروائية التي وصفناها بأنها اختارت نمطا غريبا عن النماذج الرواية العربية والعالمية المترسخة في أذهان القراء العرب لأسباب متعددة لا نستبعد منها فقر الخيال السردي عند بعض هؤلاء الكتاب الأوائل، وبعد ذلك أصبحت منزعا يفرض نفسه على بعض الكتاب الذين يرون أن لغة الشعر جزء من الكتابة الروائية لا يمكن التخلص منها (يمكن أن أشير في هذا السياق إلى طارق بكاري وعبد النور مزين وسعيدة تاقي على سبيل المثال ولهم جميعا تجارب شعرية). وهناك اتجاه يستفيد من إمكاناته الشعرية دون أن يفرض لغة الشعر على كتابته الروائية (محمد الأشعري على سبيل المثال).
في رأيي إن هناك عوالم روائية تتطلب استخدام اللغة الشعرية، وهناك عوالم لا تلائمها هذه اللغة، وتصبح الكتابة الروائية التي تعتمد لغة الشعر باعتبارها قالبا جاهزا مهدّدة بأن تفقد فعاليتها الجمالية.
وأما عن تداخل الأجناس؛ فهذا واقع حال الخطابات الأدبية وغير الأدبية. فكما أن الشعر يتداخل مع السرد والدراما والخطابة وغيرها من الأنماط التعبيرية، فإن الرواية هي الجنس الأدبي الذي تلتقي فيه كل الأجناس والأنماط التعبيرية؛ وهناك اتجاه في الرواية العربية يسعى إلى دمج الرواية في القصيدة، حيث يواجه القارئ نصوصا مركبة لا تستطيع أن تصنفها في إطار الرواية (مثل رواية إلياس للمصري أحمد عبد اللطيف).
وفي تقديري لا يمكن أن نصدر أحكاما نقدية جاهزة؛ فكل عمل روائي له تجربته الخاصة التي ينبغي تقييمها في سياقها المخصوص.

* يرى بعض النقاد أن كتابك “مقولات بلاغية في تحليل الشعر”. فتح أفقا جديدا في كيفية مقاربة النص الشعري من حيث التنظير والتحليل…؟
** كتابي “مقولات بلاغية في تحليل الشعر”(1993) كتاب مبكر في مسيرتي العلمية؛ وهو يدشن بجرأة اتجاها نقديا لم يكن مجاريا للاتجاهات النقدية السائدة في الثمانينات وبداية التسعينات في الثقافة العربية، وهو استثمار البلاغة في تحليل الشعر. لم يكن الأمر واضحا في ذهني كما هو واضح الآن. كنت أطمح إلى استثمار مقولات البلاغة أو تقنياتها في تحليل الشعر، مثلما صنعت مع تقنية “الالتفات” في تحليل شعر أمل دنقل، دون أن يساورني شك وقتئذ: هل تحليلي بلاغي خالص؟ أم هو تحليل بلاغي يتكئ على مفاهيم ومبادئ مستعارة من حقول أخرى تسربت إلى وعيي وأصبحت جزءا من كفايتي التحليلية؟
الأهم في هذه المحاولة هو ردم الهوة بين التفكير البلاغي القديم وبين مناهج النقد الأدبي المعاصرة، وإثبات أن البلاغة العربية ليست معرفة ميتة لم تعد نافعة أو صالحة لزمننا هذا؛ من هنا أعدت قراءة الجرجاني في ضوء مفهوم التلقي، وأعدت قراءة مفهوم الأغراض الشعرية في ضوء مفهوم مقولة النوع، وغيرها من الأسئلة البلاغية التي شغلتني ومازالت تشغلني حتى هذه اللحظة. فكل ما أكتبه الآن ليس سوى توسيع وتعميق لما أثرته في هذا الكتاب الأول.

*ـ ما رأيك في رأي بعض المشارقة الذين يتحدثون عن صعوبة لغة النقاد المغاربة…؟
** كنت في إحدى زياراتي لمصر مدعوا لتقديم محاضرة عن البلاغة في قسم اللغة العربية بإحدى جامعاتها، وبعد المحاضرة عانقني أحد أساتذتها الفضلاء قائلا: لقد ترددت في حضوري للاستماع إليك، ليقيني بأن المغاربة غير واضحين، ولكني الآن أعبر لك عن سعادتي بمحاضرتك ووضوح لغتك.
رويت لك هذه الواقعة الحقيقية التي تثبت أن هناك حكما عاما شائعا عن صعوبة لغة المغاربة على الفهم. وأنا لا أنكر أن هذه اللغة الملتوية وغير المشرقة قد سادت لدى بعض النقاد الذين انتشرت أسماؤهم في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، ولكن هؤلاء لا يمثلون إلا فئة من النقد الأدبي المغربي، وهناك فئات أخرى لا تقل لغتها إشراقا ووضوحا عن لغة النقاد المشارقة ولا أحتاج إلى ذكر أسمائهم؛ فقد استفاد منهم جيل التسعينات في البلدان العربية. وهناك وجه آخر للمشكلة ينبغي التنبّه إليه، وهو أن المغاربة كانوا سباقين لنقل المناهج النقدية والنظريات اللسانية الغربية إلى الثقافة العربية، وقد نجم عن هذا النقل تحوّل في لغة الخطابين النقدي واللساني، لم يكن من السهل في البداية تقبّله. فأحد وجوه هذه المشكلة يتعلق باصطدام ذهنية تقليدية بلغة جديدة في مفاهيمها وتصوراتها. فالذين يرفضون لغة الباحثين المغاربة الذين أغنوا الثقافة العربية الحديثة وأثّروا في مسيرتها، هم حراس الثقافة التقليدية والمتربصون بكل مجدد يروم التغيير.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق إسلام أهل عُمان .. دروس في السياسة والدبلوماسية
التالى مبتدأ