أخبار عاجلة

شذرات من هدى القرآن

شذرات من هدى القرآن
شذرات من هدى القرآن

الـصـوم وأثـره في النفـس (18)

الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين وعـلى الـتابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن الـصيام وأثـره في الـنفـس، وكان خـالـد الـربـعـي يـقـول: عـجـبـت لـهــذه الأمـة في قـوله تعالى:(ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) أمـرهـم بالـدعـاء ووعــدهـم بالإجـابة، ولـيس بـينـهـما شـرط، قال له قـائـل مـثـل مـاذا؟، قال مـثـل قـوله تعالى:(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ..) (الـبـقـرة ـ 25)، فـهـاهـنا شـرط، وقـوله تعالى:(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ) (يـونس ـ 2)، فـليس فـيه شـرط الـعـمـل، ومثـل قـوله تعالى:(فَادْعُوا اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (غـافـر ـ 14)، فـهـهـنا شـرط، وقـوله تعالى:(ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، لـيس فـيه شـرط، وكانت الأمـم تـفـزع إلى أنـبـيائـها في حـوائجـهـم حتى تسـال الأنـبـياء لـهـم ذلك.
فإن قـيـل فـما للـداعي قـد يـدعـو فـلا يجـاب ؟ فالجـواب أن يـعـلم أن قـوله الحـق في الآيـتـين (أجيـب واسـتـجب) لا يـقـتضي الاسـتجابة مـطلـقا لـكل داع عـلى التفـصيـل، ولا بـكل مـطـلـوب عـلى التـفـصيـل ، فـقـد قال الله تعالى في آيـة أخـرى:(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (الأعـراف ـ 55).
وكل مـصـر عـلى كـبـيرة عـالـمـا بها أو جـاهـلا فـهـو مـعـتـد، وقـد أخـبر الله تعالى أنه لا يحـب الـمـعــتـديـن، فـكـيـف يسـتـجـيب له، وأنــواع الاعـتـداءات كـثـيرة، يأتي بـيـانها هـنـا وفي الأعـراف، إن شـاء الله تعالى، وقال بـعـض الـعـلـماء: أجيـب أن شــئت، كـما قال تعالى:(بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) (الأنـعـام ـ 41)، فـيـكـون هــذا مـن باب الـمـطـلـق والـمـقـيـد.
وقـد دعـا الـنبـي (صلى الله عـلـيه وســلم): ثـلاث دعـوات: فأعـطي اثـنـتـين ومنـع واحـدة) ـ أخـرجـه الإمـام أحـمـد.
وقـيـل: إنـما مقـصـود هــذا الإخـبار وتعـريـف جـمـيـع الـمـؤمـنـين، أن هـذا وصـف ربـهـم سـبحـانه وتعالى أن يجـيب دعـاء الـداعـين في الجـمـلة، وأنه قـريـب مـن الـعـبـد يـسـمـع دعـاءه ويـعـلم اضـطـراره فـيجـيبه بمـا شـاء وكـيـف شـاء، قال تعالى:(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّـهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ ..) (الأحـقـاف ـ 5).
وقـد يـجـيب الـسيـد عـبـده والـوالـد ولـده، ثـم لا يعـطـيه سـؤله، فالإجـابة كانـت حـاصلة لامحـالة عـنـد وجـود الـدعـوة، لأن أجـيـب واسـتجـيب خـبر لا ينـسـخ فـيصـير المخـبر كـذاباً، يـدل عـلى هــذا الـتأويـل ما روى ابن عـمـر عـن الـنـبي (صلى الله عـلـيه وسـلـم) قال:(مـن فـتح لـه في الــدعـاء، فـتـحـت له أبـواب الإجـابة) ـ ذكـره الـسـيـوطي.
وأوحـى الله إلى داود:(أن قـل للـظـلـمة مـن عـبـادي لا يــدعـوني، فإني أوجـبـت عـلى نـفـسي أن أجـيـب مـن دعــاني وإني إذا أجـبـت الظـلمة لـعـنـتهـم، وقال قـوم: إن الله يجيب كل الـدعـاء، فإمـا أن تـظـهـر الإجـابـة في الــدنيا، وإمـا أن يـكـفـر الله عـنه، وإمـا يـدخـر له في الآخـرة)، لـما رواه أبـو سـعـيـد الخـدري قال: قال رسـول الله (صلى الله عـلـيه وســلم):(مـا مـن مـسـلم يـدعـو بــدعـوة لـيس فـيها إثـم، ولا قـطـيعـة رحـم إلا أعـطاه الله بهـا إحــدى ثـلاث: إما أن يـُعـجِّـل له دعـوتـه، وإما أن يـدّخـر له، وإمـا أن يكـفّ عـنه مـن الـسـوء بمـثـلهـا)، قال: إذن: نـكـثر؟، قال:(الله أكـثر)، خـرجـه أبـو عـمـر بن عـبـدالـبر، قال أبـو عـمـر: وهـذا الحـديث يخـرج في التـفسـير الـمـسـنـد لـقـول الله تعالى:(ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، فـهــذا كله مـن الإجـابة.
وقال ابن عـباس: كلُ عـبـدٍ دعـا اسـتـُجيـب له فإن كان الـذي يـدعـو به رزقـاً له في الــدنيا أعـطـيه، وإن لـم يـكـن رزقـاً له في الــدنيا ذُخِـر له، وحـديث أبي سـعـيـد الخـدري وإن كان إذنـا بالإجـابة في إحـدى ثـلاث، فـقــد دلك عـلى صحـة ما تـقـدم مـن اجـتنـاب الاعــتـداء الـمانـع متن الإجـابة حـديـث قال فـيه:(مـا لـم يـدعـو بإثـم أو قـطـيـعـة رحـم) ـ رواه مـسـلم، (مـا لـم يـسـتـعـجـل) رواه أبـو هــريــرة عـن الـنبي (صلى الله عـلـيه وسـلم) أنه قال:(لا يــزال يـسـتـجاب للـعـبـد ما لـم يـدع بإثـم أو قـطـيـعـة رحـم مالم يستعـجـل ــ قال: يا رسـول الله ما الاسـتعـجال؟ ــ قال:(يـقـول قـد دعـوت، وقـد دعـوت فـلـم يسـتـجـب لي فـيسـتحـسـر (أي: يـمـل) عـنـد ويــدع الـدعـاء.
ويـمـنـع مـن إجـابة الـدعـاء أكل الـمـال الحـرام، وما كان في مـعـناه، قال (صلى الله عـلـيه وسـلم):(الـرجـل يـطـيـل الـسـفـر أشـعـث أغــبر يـمـد يـديـه إلى الـسـماء يا رب، يا رب ومـطـعـمه حـرام ومشـربه حـرام ومـلبـسه حـرام وغــذي بالحـرام، فأنى يـستـجاب لــذلك) ـ أخـرجـه مسـلم في الـزكاة باب الـصـدقـة,
وهـذا اسـتـفهـام عـلى جـهة الاسـتـبعـاد مـن قـبـول الـدعـاء مـن كانت هـذه صـفـته، فإن إجـابة الـدعـاء لا بــد لـهـا مـن شــروط في الـداعـي وفي الــدعـاء، وفي الـشيء الـمـدعــو به.
فـمـن شـرط الـدعــاء أن يـكـون عـالماً بأن لا قــادراً عـلى حـاجـته إلا الله وحـده، وأن الـوسـائط في قـبـضـته، ومسـخّـرة بتسـخـيره وأن يــدعـو بـنـية صـادقـة وحضـور قـلـب، وأن الله لا يـسـتـجـيب دعـاء مـن قـلـبٍ غـافـلٍ لاه، وأن يـكـون مجـتـنـباً لأكل الـحـرام، وأن لا يـمـلَّ مـن الـدعـاء، ومـن شـرط الـمـدعـو فـيه أن يـكـون مـن الأمـور الـجـائـرة الـطـلـب والـفعـل شـرعـاً، كـما قال (صلى الله عـلـيه وسـلـم):(ما لم يـدع بإثـمٍ أو قـطـيعةِ رحـم)، فـيـدخـل في الإثـم كل مـا يـأثـم به مـن الـذنـوب، ويـدخـل في الـرحـم جـميـع حقـوق الـمسـلـمين وظـلـمهـم، لأن ظـلـمهـم حـرمه الله في الحـديث الـقـدسي:(يا عـبادي إني حـرمـت الـظـلـم عـلي نـفـسي وجـعـلـته بـيـنـكم محـرما فـلا تـظالـمـوا).
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر الزيدي

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى ضوابط التواصل الاجتماعي مع التقنيات الحديثة (1 ـ 3)