أخبار عاجلة

«الــذوات المبــدعــة».. ربيـــع غشـــاه الـــذبــــول!

‏أسماء كثيرة سطع نجمها في سماء المشهد الثقافي يوماً ما، وبشرت بإبداع يباهى به، لكنها فرحة لم تدم طويلاً، إذ إن ذبولاً طال تلك الذوات المبدعة، وباتت قيد النسيان إن لم تكن في طيه فعلاً..

هم أشخاص فرضت ملكاتهم إبداعاً يلوي إليهم الأعناق وتحدق إليهم الأبصار وتصغي إليهم الأسماع.. فلماذا اختاروا العزلة عن التواصل والزوايا المعتمة عن الأضواء الكاشفة؟!.

«الرياض» تلمست هذا الجرح الثقافي واستطلعت آراء كتاب ومفكرين وأدباء وأكاديميين حيال هذه القضية الشائكة التي تهدد مستقبل الآداب والفنون وقد تجهض ولادة المبدعين وتؤزم النتاج الثقافي بل وتئده إلى مثواه الأخير، وكان سؤالنا: ما سبب أفول الذات المبدعة وكيف تقرؤه؟ وهل يمكن التعويل على عودتها بذات الوهج؟ وكيف يمكن أن تعود؟! ..

انقطاع الدعم

في البداية تحدث الدكتور فواز بن عبدالعزيز اللعبون الأستاذ المشارك في قسم الأدب والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الذي رأى أن المبدعين في الغالب فئتان، فئة صنعت نفسها بنفسها، وقدمت إنجازها الإبداعي للناس نقاداً ومتذوقين، وتركت تقييمه لهم، فنالت به شيئاً مما تستحق من ظهور أو خفوت، وفئة مبدعة تلقت دعماً معنويّاً مبالَغاً فيه لدواعٍ متنوعة، وحين انقطع عنها الدعم انحسرت عنها الأضواء، وابتلعها الظلام. وفي الوقت نفسه هناك مبدعون لم ينصفهم الجيل، ربما لأنهم لم يقدموا أنفسهم بشكل جيد، أو لأنهم رأوا أن المشهد الإبداعي لا يساعد على التنافس الشريف، ولذا لم يجدوا ما يغري بالعطاء، فآثروا الانطواء. ومهما يكن فإن راصد الحركة الأدبية في العصور الأدبية يلحظ تصدر أسماء في حقبة ما، ثم ما يلبث أن يخفت ضجيجها في الأجيال اللاحقة، كما يلحظ بعض التجني على أسماء لديها ما يؤهلها للخلود، ولم تُنصَف إلا بعد حين.

إهمال المجتمع

ويصنف الكاتب الصحفي بسام فتيني حالات المبدعين فيقول: يبدو أن للإبداع أكثر من وجه وحالة جسدتها حالات سابقة سادت ثم تلاشت ولم تستمر. فبعضهم حظي بدعمٍ لا محدود من شخصيات وأسماء في نفس المجال الذي ظهر فيه، ومنهم من كان رهانه في محله ومنهم من تلاشى وذهب مع الريح لأنه لم يكن يملك ما يمكن اعتباره نبعاً لا ينضب من الإبداع. لذلك فالمبدع الحقيقي قد لا يكترث كثيراً بالوجود المستمر لكنه حين يحضر فنتاجه يكون في مقام الإبداع ويستحق الاحتفاء والظهور بالشكل الجلي المُجسد لكلمة إبداع. لذلك علينا تحفيز هذه الذوات المبدعة بتوفير البيئة المناسبة لها فلربما حينها تعود وتعاود نشاطها الإبداعي، فالإبداع كالنفط يكون قابعاً تحت الأرض إلى إن يأتي مكتشفه ليستخرجه من الأعماق.

وحول ضعف الاهتمام بالمبدعين بشكل عام يضيف: من المؤسف أننا لا نهتم بالنجوم أصلاً إلا بعد رحيلهم مع فجر النسيان، فكم من أعلام كُرموا بعد أن توارت أجسادهم تحت الثرى. فكان تكريم الأموات ديدن الكثير من الجهات ذات العلاقة. لذلك يجب أن تسود ثقافة تكريم النجوم وهم أحياء لاسيما أن الوسط الثقافي شحيح أصلاً وحقبة السنوات الاخيرة ريما لم تكن ولادة كسابقاتها من العقود. المُبدع اليوم قد يجد نفسه في عُزلة وإهمال مجتمعي كبير وقد لا يجد التقدير إلا بعد رحيله! أعتقد أنه آن الأوان بأن يتم حصر الأسماء اللامعة في شتى المجالات وإكرامها وتكريمها ومنحها ما تستحق. المبدعون وأصحاب الإنجازات والتاريخ في شتى المجالات.. هم ثروة وطنية وإن طواهم النسيان يوماً. وكذلك انتشال تلك الأسماء القابعة في ظلمة النسيان.

غياب التكيف

وأكد الدكتور خالد أحمد الغامدي أستاذ علم اللسانيات الثقافية في كلية الآداب بجامعة الطائف على ضرورة التأكد أولاً من أن ما نتحدث عنه هو من باب "ذبول الذات المبدعة" لا من باب آخر؛ كأن يكون من باب انتهاء مرحلة ثقافية والدخول في مرحلة انتقالية تمهيداً لمرحلة جديدة، فنكون حينئذ بصدد ذبول جيل لا أفراد، وحينئذ قد نكون بصدد حالة إيجابية لا سلبية! إذ التخلص من طبقة الواقع المتكلس يهيئ لبروز طبقة جديدة أكثر لمعانا ومرونة.

أما إذا كنا متأكدين من أننا أمام حالة ذبول أفراد هنا وهناك فيمكننا أن نجد تفسير ذلك من خلال قانون المثير والاستجابة؛ فكل حالة إبداعية هي وليدة شرطين: وجود مثير ثقافي أو فكري مناسب لوعي المبدع وقدراته، يقابله وجود استجابة مكافئة للمثير. فإن انطفأ المبدع بعد توهجٍ فقد يعني هذا أن هناك شرطاً ثالثاً خاصاً بفاعلية الإبداع واستمراريته هو "التكيّف"؛ وهو شرط نفسي اجتماعي عزيز يفقده كثير من المثقفين، فربما يبرز أمام المثقف تحدٍّ ثقافيٌ في مرحلةٍ ما يمر بها مجتمعه، فيستجيب له استجابة ما، ولكنه يضعف في منتصف الطريق ثم يختفي في إحدى الزوايا. والسبب غالباً هو ضعف ملكة التكيف لديه، خصوصاً في البيئة الثقافية التي تتسم بالصراعات القوية والتغيرات المفاجئة والتي قد تكون عميقة أحياناً. فإن انضاف إلى هذا ضعفُ إيمانه برسالته الثقافية التي يفترض به حملها وتبليغها "وهي قيمه الكبرى ومقاصده العليا" زادت نسبة الذبول.

أما عودة الوهج فهو ممكن نظريًا؛ وذلك في حال عودة الشروط الموضوعية التي ولّدتْ الإبداع (المثير المناسب + الاستجابة المكافئة + التكيف)، ولكن من حيث الواقع يندر ذلك؛ لأن ما يصحب الذبول من انكسارات نفسية عميقة يحتاج إصلاحه وتجديده إلى طاقة روحية أكبر من الأولى.. وأنّى ذلك؟!

خيار انهزامي

ويعلق الأديب والكاتب حمد القاضي حيال هذا الأفول قائلاً: الصمت  ليس هو الخيار الأفضل!. أقولها لمن ابتعد صهيل حرفه عن ميدان الكلمة لأي سبب. هل هو الملل ربما؟ هل هي القناعة من عدم جدوى الكتابة ربما؟ أو لأسباب أخرى؟ لكن مع هذا يبقى الحرف هو الخيار الأوفر فألاً. نعم يا أصدقاء الحرف الغائبين: الكلمة متعبة لكنها بالنظر لرسالتها ممتعة ومريحة. ألم يقل الشاعر نزار قباني:

وجع الحرف رائع أو تشكو.. للعصافير وردة حمراء. وتقول غادة السمان: من الخطأ أن تقول لكاتب صمت: لماذا صمت؟، لكني أختلف معها وأقول لماذا الصمت؟

فوطننا ومجتمعنا وثقافتنا وعالمنا بظمأ للمزيد من عطاء الحرف ونضج الرأي ونشر العطاء الثقافي  ولنقول للآخر إن المبدع والإنسان السعودي يضيف لثقافة العالم ولا يستهلكها أويقرؤها فقط 

فضلاً عن ذلك فوطننا يواجه تحديات تنموية وثقافية داخلية كبيرة فرسالة الكاتب أن يستمر جريان نهر عطائه.

طافت بذهني ذات عام  فكرة التوقف لكنني تراجعت عنها لذات الأسباب التي ذكرتها.. فلتعودوا يا كتابنا وأدباءنا المتوارين ولا تكسروا "القلم". قد يقول بعضكم قد لا أعود بذات الوهج والإبداع.

وأقول: الكاتب كالخيل تتعب من السباق فترتاح ثم تعود أوفر قوة وقدرة على منازلة الخيول الأخرى. الصمت ليس هو الخيار الأفضل بل هو شيء من الهزيمة.

تحقيق المطامح

ويقول الكاتب عبدالواحد الأنصاري: الأسماء المبدعة التي أفلت أو تكاد لا شك أنه بعضهم كفوا عن الكتابة، وهؤلاء يُفهمون سبب غيابهم أو أفولهم، ثمة من المبدعين من كان همه أن يحصل على شيء ما، وكان يترقى في الوسط الثقافي ليتعرف إلى من يشفع له للوصول إلى مراده، فإذا نال ما يرجوه كفّ عن الكتابة، وانصرف إلى مخدعه الدراسي أو الوظيفي، وهذه طبيعة في البشر، أن الأهداف والمطامح تحدد بوصلتهم.

أتذكر الآن أن ماركيز ناقش أحد الشبّان في نص أنهى كتابته، ونصحه بأن يتأنى في نشره، فقال له ذلك الشاب: أنا لست مشهوراً مثلك حتى أعتني بنصوصي كما تصنع أنت. ويعلق ماركيز بأن ذلك الكاتب لم يكن يريد الكتابة حقاً، ولذلك كفّ عنها فور أن وجد وظيفة له في أحد الأماكن.

أما المبدعون الذين غيّبتهم الساحة فهؤلاء صنف آخر، ما زالوا يكتبون، ويؤلفون، ويقرؤون، ويتابعون، ولكن المواقع التي كانوا يكتبون فيها لم تعد متألقة ومشتهرة كما كانت، وبرز مشاهير جدد في وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة، وما عاد أحد يتابع أدب المنتديات ولا أشعارها ولا قصصها، وقلّ القراء الذين يحرصون عليها، فنال هذا الصنف من الغياب ما ينال أهل النهار إذا حل عليهم الليل.

أما كيف يعود هؤلاء فلا سبيل في نظري إلا أن يتعاضدوا فيما بينهم ويتبادلوا القراءة والكتابة عن أنفسهم، ويحرصوا على استمرار النشر والحضور في الفعاليات والملاحق الصحفية، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، حتى تتكون حولهم قاعدة جديدة من المتابعين والمهتمّين غير تلك التي كانت لديهم وانقطعت عنهم أو انقطعوا عنها.

التهميش المعنوي

ويتحدث أستاذ الآدب والنقد المساعد بقسم اللغة العربية بجامعة حائل د. فهد إبراهيم البكر قائلاً: كل بدرٌ يشرق بنورٍ ثم يغيب، وكل نجمٌ يبزغ بسطوعٍ ثم يأفل، وفي لحظة الإشراق جمال لا يوازيه جمال، ونور لا يعدله نور، وسرور أيما سرور، على أنه ربما داعبَ الغيمُ القمرَ، فتوارى وهجُه، وغطّى السحابُ النجمَ فتلاشى أمامنا نهجُه، وصارت السماء سواداً في سوادٍ.

وهكذا هم المبدعون تماما كتلك الكواكب والمجرات، يوما تراهم ساطعين، ويوما آخر يعتريهم النضوب والشحوب، لكن الغريب المريب، أو الموجع العجيب أن ترى مبدعاً طالما كان وهاجاً، ثم يختفي، لا تدري أين أفل نجمه؟ وإلى أي أفق غاب؟ وهل يرجع؟

ثمة مبدعون في مسارات مختلفة في الأدب، والفكر، والثقافة، والفن، والرياضة، يشرقون علينا بموهبة فذة، كانوا في انطلاقهم كشهب ليل بهيم، أومضوا وكاد أن يخطف البرق أبصارنا نحوهم، لكننا اليوم لا ندري أي أرض يفترشون، وأي سماء يلتحفون؛ ذلك لأنهم لم يجدوا التشجيع، والدعم الحقيقي، أو ربما لم يُصنعوا صناعةً جيدة.

إن غياب المبدعين سببه الأول - في نظري - هو ذلك التهميش والتطنيش، حين لا يجد المبدع من يسنده، ويقول له: مرحباً بك، قد وصلت سماء الإبداع، أو على الأقل يقال له: بدأت ترتقي منارات التميّز والتفوق.

نعم المبدع يحتاج دعماً معنوياً أولاً، وآخراً، وقبل كل شيء، وبعده، يحتاج دعماً معنوياً قد لا يكلّف بضع كلمات، أو بعض سطور، لهذا لا غرو أن نعامل المبدع معاملة الطفل الذي يحتاج إلى أن يقال له: (أنت قوي - شجاع - مقدام - متميز - متفوق...) وغيرها من العبارات اليسيرة التي لا تكلف المؤسسات والأفراد حبرًا ولا ورقاً، ولا صوتاً.

إننا ننكأ جراحاً لم تندملْ بعدُ، فما يزيد الطين بلّةً أن يرى المبدعُ الاهتمامَ بغيره من (التافهين) الذين لم يقدموا شيئاً لأنفسهم، ولا لمجتمعهم، ولا لأوطانهم، ولا لدينهم، ولا لأي شيء آخر، وما أكثرهم اليوم، ولعل في هذا سراً آخر، أو جرحاً آخر يجعل المبدع لا يغيب، بل يهرب هروبه من أمر مفزع.

ثم إن تنظيم الجوائز وإقامة المحافل الخاصة، وتسليط الأضواء الإعلامية (الجديدة) لهي أكبر دافع للتمسك بالذات المبدعة، وعدم انزوائها، أو ذوبانها، والدليل على ذلك أن أكثر المتميزين الذين استطاعوا أن يحافظوا على بريقهم مروا بتلك المحطات الحافلة بالاهتمام والتقدير، وهو الأمر الذي جعلهم متوهجين متقدين كشعلة لا تنطفئ، وآسٍ يانعٍ لا يذبل".

d21852761d.jpg القاضي: الصمت هزيمة المبدع
2220b9a333.jpg اللعبون: التجني يحجب الإبداع
59ddc468b5.jpg الغامدي: المثقفون يفتقدون التكيف
0622a6bc98.jpg فتيني: الرهانات الخاسرة تتلاشى
fb26e868c1.jpg الأنصاري: القراء حرفوا البوصلة
55931e6e0c.jpg البكر: الاهتمام بالادعياء محبط
747bb372e6.jpg

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق تردد قناة سى بى سى سفرة CBC Sofra الصحيح : أكتوبر 2018 .. أفضل قنوات المطبخ والطبخ .. قمر نايل سات
التالى أخبار التقنية - كيف تحمل أرشيفك على فيس بوك قبل حذف حسابك؟